• پنجشنبه، ۲۷ خرداد ۱۴۰۰
  • الخميس، 7 ذو القعدة 1442
  • Thursday, 17 June 2021

السؤال هل کان کل المشرکین موحدین في التوحید الربوبي؟

السؤال هل کان کل المشرکین موحدین في التوحید الربوبي؟

السؤال

لیس لعلماء الوهابیة ومفکّریهم طریق لتکفیر مخالفیهم (سائر المسلمین) واتّهامهم بالشرک إلا ادّعاء أنّ شرک المشرکین إنّما کان شرکاً ألوهیاً وعبادیاً وأنّهم کانوا في جانب النظر والعقیدة وباصطلاح الوهابیة في جانب الربوبیة موحدین. لأنّه لوکان غیر ذلک فیستطیع المخالفون (سائر المسلمین) بسهولةٍ أن یدّعوا بأنّه لوکان ادّعائکم صحیحاً وأنّنا مشرکون بالعبودیة والألوهیة فلایصحّ تسرّي حکم المشرکین علینا ویقال إنّنا مشرکون لأنّا موحدون بالربوبیة خلافاً للمشرکین، بل عملنا لتوحیدنا بالربوبیة لایکون مصداق عبادة غیرالله وبالتالي مصداق الشرک الألوهي والعبودي! فلذلک کتب المفتي الشهیر للوهابیة ابن باز: «أما كونه سبحانه رب الجميع وخالق الخلق ورازقهم، وأنه كامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأنه لا شبيه له، ولا ند له” ولا مثيل له، فهذا لم يقع فيه الخلاف بين الرسل والأمم، بل جميع المشركين من قريش وغيرهم مقرون به.» [1]

الجواب

من الواضح أنّ الإدّعاء المذکور غیر قابل للقبول بوجهٍ، لأنّه طوال التأریخ وقع المشرکون بأنواع مختلفة من الشرک الربوبي وإنّما شرکهم في العبودیة والألوهیة ناشئٌ من شرکهم بالنظر والربوبیة. نشیر إلی موارد من شرک المشرکین بالربوبیة:

۱. المعتقدات المصریة القدیمة

في مصر القدیمة کانت الناس مشغولة بعبادة البهائم والأشجار والآدمیّین. والذي یلفت النظر هو أنّهم کانوا مؤمنین بأنّ أرواح الآلهة مستقرّة في الموجودات المذکورة، ولذلک کانوا یعبدونها. کتب آدولوف آرمان حول هذا: إنّ عبّاد الحیوانات کانوا یعتقدون بوجود بعض الخصائص الألوهیة فیها.[2] وأضاف بعدها: المصریون قدیماً کانوا معتقدین باستقرار روح الآلهة في النعوج والتماسیح والقطط والطیور. إنّهم یجعلون استقرار الروح موجباً لتقدیس هذه الحیوانات ولذلک کانوا یعبدونها بأنواع العبادة والتعظیم….. وکذلک کان المصریون قدیماً یجعلون لهم من النباتات آلهة تُعبَد. إنّهم کانوا یقدّسون بعض النباتات کالتمر والتین والعنب. ولکنّ المعبودات النباتیة کانت أقلّ حبّاً ورواجاً من سائر المعبودات الحیوانیة. کان المصریون قدیماً معتقدین أنّ أرواح الآلهة مستقرة في المعبودات النباتیة أیضاً……. المصریون قدیماً اختاروا لأنفسهم آلهة من الناس أیضاً وکانوا معتقدین أنّ أرواح الآلهة مستقرة فیهم أیضا.ً[3]

۱. عقاید الشعب الهندي

إنّ أناس هند سابقاً کانوا معتقدین باثني عشر ربّاً.[4] وکانوا معتقدین أنّ هذه الآلهة لها قدرة التصرّف في مستقبل الناس والحیوانات وتستطیع أن تجعل مصیره مع السعادة أو الشقاوة.[5] کان اعتقادهم أنّه إن قَدَّسَ شخصٌ هذه الأرباب الاثني عشر وذبح لهم ذبیحة فالأرباب ترضی منه وترعاه. وإن لم یفعل هذا العمل لها فهي غیر راضیة منه وتهلکه مع أنعامه وبهائمه.[6]

کان الهنود علی هذا المعتقد أنّ کلّ قوة من القوی الطبیعیة لها ربٌّ یدیرها کالماء والنار والأنهار والجبال و …… إنّهم یستغیثون بهذه الأرباب عند العناء ویریدون منها أن تجعل البرکة في أولادهم وتنصرهم علی الأعداء.[7]

والبوذیة أیضاً دینٌ من الأدیان الرائجة في هند. فالبوذیّون معتقدون أنّ بوذا ربٌّ تجسّم بهیئة إنسان وبشر.[8] ویعتقدون أنّ بوذا هو الناجي والملجأ للنّاس.[9]

۱. عقائد الرومیّین

کان الرومیّون معتقدین بوجود قویً غیر مرئیة في العالم.[10] إنّهم یجعلون القوی المذکورة مُدراءَ الکون ویسمّونها الأرواح الناشطة.[11] إنّهم کانوا علی اعتقاد أنّ الظواهر الطبیعیة کاللیل والنهار والفصول والریح ونموّ الأشجار والحیوانات وتحللها وحیاة الإنسان من ولادته إلی موته و….. هي نتائج نشاطات الأرواح الناشطة.[12]

حسب اعتقاد الرومیّین إنّ الأرواح الناشطة مصیطرة علی حیاة البشر وتستطیع أن تجلب له الخیر أو توجب له الشرّ والخسران.[13] ویعتقدون أنّ الأرواح تظهر نفسها تارة وتلمس بعض الأشیاء أو الأشخاص ویجعلونه تهدیداً علی حیاة الناس.[14] إنّهم کانوا یرون أنّ الحوادث الطبیعیة کالخسوف وظهور الشهب والرعید وولادة مخلوقات بشکل خاص وصفات خاصة کحیوان ذي رأسین أو ذي أصابع خمسة و………. هي نتیجة ظهور الأرواح الناشطة ولمسها الأشخاص.[15]

حسب اعتقاد الرومیّین یحتاج البشر دائما في مراحل حیاته إلی معونة الأرواح الناشطة وحمایتها.[16] وبهذا السبب یذبحون لتلک الأرواح ذبائح لکسب رضایتها ولهم مناسک خاصة یفعلونها.[17] وصلت هذه المسألة بحدٍ من الواقع بحیث وقعت حکومة الروم في خوف عدم رضایة الأرواح الناشطة وکانت دائماً تجهد في جلب رضایتها بشکل کانوا قبلَ أيِّ عمل یشاورنها.[18]

۱. عقائد عرب الجاهلیة

4.1 عقائد الیهود والنصاری

کان الیهود والمسیح من الأدیان الرائجة في جزیرة العرب.[19] قال الله تعالی عن عقائدهم:

الف) «و قالت الیهود عزیر ابن الله و قالت النصری المسیح ابن الله ذلک قولهم بأفواههم یضهئون قول الذین کفروا من قبل قتلهم الله أنّی یوفکون»[20]؛ باعتقاد مفسري أهل السنة أنّ ادّعاء المسیح حول عیسی علیه السلام بأنّه ابن الله کان مرافقاً مع اعتقادهم بربوبیته. کتب البغوي في عوالم التنزیل: لما قالوا في المسيح وأمه ما قالوا رد الله عليهم بهذا وقال: {لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا} لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده ، لا عند غيره ، { إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } ولكنا لم نفعله لأنه لا يليق بالربوبية »[21]. فنسبة الولد إلی الله ینافي إقرارهم بالربوبیة وتوحیدهم التام في هذا الجانب ولو ادّعی أحدٌ أنّ لله ولداً لامحیص له من الإقرار بربوبیة ولده أیضاً، لأنّ الولد لابدّ وأن یکون في أوصافه وأفعاله شبیهاً بوالده.[22] وکتب ابن الجوزي أیضاً: «قال السدي: لما سمع عیسی کلامهم کان رضیعاً فالتفت إلیهم وقال: إنّي عبدالله. قال المفسّرون: أقدم عیسی علیه السلام علی ذلک لیبطل دعوی المعتقدین بربوبیته»[23] وکتب الطبري: «يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} فَصَدِّقُوا يَا أَهْلَ الْكِتَابِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ , وَأَنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ , وَصَدِّقُوا رُسُلَهُ فِيمَا جَاءُوكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , وَفِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ , وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ , وَلَا وَلَدَ لَهُ. {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} يَعْنِي: وَلَا تَقُولُوا الْأَرْبَابُ ثَلَاثَةٌ»[24]

ب) «و قالت الیهود یدالله مغلولة غلت أیدیهم و لعنوا بما قالوا»[25]- «لقد سمع الله قول الذین قالوا إن الله فقیر و نحن أغنیاء»[26]؛ وهذه الآیات حاکیة أنّ الیهود کانوا یعتقدون بالفقر والحاجة والنقصان لله تعالی وکانوا یصفونه بأخسّ الصفات الإنسانیة. وواضحٌ أنّ هذه الاعتقادات تنافي إقرارهم بربوبیته تعالی وتوحیده التامّ في هذا الجانب.[27]

ج) «ما المسیح ابن مریم الا رسول قد خلت من قبله الرسل و امه صدیقة کانا یاکلان الطعام انظر کیف نبین لهم الآیات ثم انظر انی یوفکون»[28] كتب الطبري: وَقَوْلُهُ: {كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75] خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ أَنَّهُمَا كَانَا أَهْلَ حَاجَةٍ إِلَى مَا يَغْذُوهُمَا وَتَقُومُ بِهِ أَبْدَانُهُمَا مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ كَسَائِرِ الْبَشَرِ مِنْ بَنِي آدَمَ. فإِنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَغَيْرُ كَائِنٍ إِلَهًا؛ لِأَنَّ الْمُحْتَاجَ إِلَى الْغِذَاءِ قَوَامُهُ بِغَيْرِهِ , وَفِي قَوَامِهِ بِغَيْرِهِ وَحَاجَتِهِ إِلَى مَا يُقِيمُهُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى عَجْزِهِ , وَالْعَاجِزُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَرْبُوبًا لَا رَبًّا».[29]

4.2 عقائد المجوس

کانت المجوسیة أیضاً دیناً من الأدیان الرائجة في جزیرة العرب.[30] کتب الشهرستاني في کتابه الملل والنحل حول عقاید المجوس: «کان المجوس فرقة یعتقدون بأصلین ومدبِّرَین قدیمَین. إنّهم قسّموا الأمور إلی خیر وشر، نفع وضرر، صلاح وفساد وجعلوا أحدهما نوراً والثاني ظلمة وظلالاً».[31]

4.3 عقائد الصابئة

کان بعض العرب مؤمناً بالأنوار. وکانوا یعتقدون أنّ الأنوار لها تأثیر في الحرکات والسکنات وتصرفاتّهم أیضاً، فلذلک کانوا یعبدون الکواکب. نذکر مثالاً وهو أنّهم کانوا یعبدون النور ویعتقدون أنّ نور الکواکب في طلوعها وغروبها موجباً لنزول المطر.[32] وکذلک کانوا یعبدون کوکب الزهرة وهم یعتقدون أنّها منشأٌ للعشق والجمال.[33]

وقبائل من العرب أیضاً کانت تعبد الشمس والقمر وعلی هذا کانوا یسمّون بعبدالشمس وامرئ الشمس وعبدالسارق وعبدالمحرق وبنوقمر.[34] قال ابن کثیر في تفسیر الآیة «وأنّه ربّ الشعری»: «قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد وغيرهم: هو هذا النجم الوقاد الذي يقال له مرزم الجوزاء كانت طائفة من العرب يعبدونه»[35] وکتب الماوردي في تفسیر الآیة المذکورة: «والشعرى نجم يضيء وراء الجوزاء ، قال مجاهد : تسمى هوزم الجوزاء ، ويقال إنه الوقاد، وإنما ذكر أنه رب الشعرى وإن كان رباً لغيره لأن العرب كانت تعبده فأعلموا أن الشعرى مربوب وليس برب.

واختلف فيمن كان يعبده فقال السدي: كانت تعبده حمير وخزاعة وقال غيره: أول من عبده أبو كبشة، وقد كان من لا يعبدها من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم»[36]

4.4 عقائد عبدة الأصنام

شرک عبدة الأصنام الربوبي مدلول کثیر من الآیات والشواهد التأریخیة:

4.4.1. الف) «اتخذوا من دون الله ءالهة لیکونوا لهم عزاً»[37] _ «و لایغني عنهم ماکسبوا شیئاً و لا ما اتّخذوا من دون الله أولیاء»[38] _ «و اتخذوا من دون الله ءالهة لعلّهم ینصرون»[39] _ «مما خطیئتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً فلم یجدوا لهم من دون الله أنصاراً»[40] فیستفاد من هذه الآیات أنّ المشرکین صاروا متهَمین بالشرک من قِبَل الله تعالی لأنّهم کانوا یعتقدون بوجود قدرة تدبیر العالم في معبوداتهم وأصناهم، بحیث تستطیع هذه الأصنام أن تدیر العالَم مستقلاً عن الله تعالی. وإلا فالاعتقاد بوجود النفع والضرر وقدرة تدبیر العالم إن لم یُعتقد باستقلال ذاک المدبِّر فلیس شرکاً، لأنّ الله تعالی نسب إلی غیره مثل هذه القدرة وقال: «وَ النَّازِعاتِ غَرْقاً * وَ النَّاشِطاتِ نَشْطاً * وَ السَّابِحاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً»[41] وقال أیضاً: «وَ رَسُولاً إِلي‏ بَني‏ إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُکُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّکُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَکُمْ مِنَ الطِّينِ کَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فيهِ فَيَکُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُبْرِئُ الْأَکْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتي‏ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُنَبِّئُکُمْ بِما تَأْکُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ في‏ بُيُوتِکُمْ إِنَّ في‏ ذلِکَ لَآيَةً لَکُمْ إِنْ کُنْتُمْ مُؤْمِنينَ»[42] فبالنظر إلی أنّ الله هو الذي نسب قدرة التدبیر إلی الملائکة وعرّف عیسی علیه السلام بأنّه واجداً لقدرة الخلق وإحیاء الموتی وشفاء المرضی یتّضح أنّ اتهام المشرکین بالشرک من قِبَل الله تعالی لیس لکونهم معتقدین بوجود النفع والضرر أو قدرة التدبیر في غیره تعالی بل کان منشأ شرکهم هو اعتقادهم بأنّ غیر الله تعالی مستقلٌّ في النفع والضرر.

ب) «إِنَّ الَّذينَ کَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَميعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ»[43] كتب الطبري في تفسیر هذه الآیة: «يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا رُبُوبِيَّةَ رَبِّهِمْ وَعَبَدُوا غَيْرَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ وَمِنْ غَيْرِهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوا الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ , وَهَلَكُوا عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ التَّوْبَةِ. لوْ أَنَّ لَهُمْ مُلْكَ مَا فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا وَضِعْفَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى تَرْكِهِمْ أَمْرِهِ وَعِبَادَتِهِمْ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , فَافْتَدُوا بِذَلِكَ كُلِّهِ مَا تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُمْ ذَلِكَ فِدَاءً وَعِوَضًا مِنْ عَذَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ , بَلْ هُوَ مُعَذِّبُهُمْ فِي حَمِيمِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَذَابًا مُوجِعًا لَهُمْ »[44]

ج) «قُلِ اللَّهُمَّ مالِکَ الْمُلْکِ تُؤْتِي الْمُلْکَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْکَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِکَ الْخَيْرُ إِنَّکَ عَلي‏ کُلِّ شَيْ‏ءٍ قَديرٌ»[45] وكتب الطبري في تفسیر الآیة: «يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ: وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ بِإِعْطَائِهِ الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانَ وَبَسْطِ الْقُدْرَةِ لَهُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِسَلْبِكَ مُلْكَهُ وَتَسْلِيطِ عَدُوٍّ عَلَيْهِ {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} أَيْ كُلُّ ذَلِكَ بِيَدِكَ وَإِلَيْكَ، لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ؛ لِأَنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، دُونَ سَائِرِ خَلْقِكَ، وَدُونَ مَنِ اتَّخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْأُمِّيِّينَ مِنَ الْعَرَبِ إِلَهًا وَرَبًّا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِكَ»[46]

د) «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ * وَ لَمْ يَکُنْ لَهُ کُفُواً أَحَدٌ»[47]؛ جاء في سنن الترمذي والمستدرک للحاکم عن أبي بن کعبٍ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ}[48] فعبدة الأٌصنام کانوا جاهلین بأقلّ شئونات الله تعالی. إذاً کیف یصح الادّعاء بأنّهم حازوا علی التوحید التامّ من التوحید الربوبي.

ه) «إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَ إِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَريداً»[49] كتب الطبري في تفسیر الآیة: «فحسب هؤلاء الذين أشركوا بالله، وعبدوا ما عبدوا من دونه من الأوثان والأنداد، حجّة عليهم في ضلالتهم وكفرهم وذهابهم عن قصد السبيل، أنهم يعبدون إناثًا ويدعونها آلهة وأربابًا»[50]

و) «أَ لَيْسَ اللَّهُ بِکافٍ عَبْدَهُ وَ يُخَوِّفُونَکَ بِالَّذينَ مِنْ دُونِهِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ»[51] كتب القرطبي: قوله تعالى: ” ويخوفونك بالذين من دونه ” وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم مضرة الأوثان، فقالوا: أتسب آلهتنا ؟ لئن لم تكف عن ذكرها لتخبلنك أو تصيبنك بسوء. وقال قتادة: مشى خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها بالفأس فقال له سادنها: أحذركها يا خالد فإن لها شدة لا يقوم لها شئ، فعمد خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس.[52] فالمشرکون وعبدة الأصنام کانوا معتقدین باستقلال أصنامهم في النفع والضرر لأنّ النبي صلی الله علیه وآله لمّا دعاهم إلی اختصاص العبادة لله، جعلوا یخوّفّونه من قدرة أصنامهم.

ز) «وَ جَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَ الْأَنْعامِ نَصيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَ هذا لِشُرَکائِنا فَما کانَ لِشُرَکائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَي اللَّهِ وَ ما کانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلي‏ شُرَکائِهِمْ ساءَ ما يَحْکُمُونَ»[53] کتب الطبري: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَجَعَلَ هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ لِرَبِّهِمْ {مِمَّا ذَرَأَ} خَالِقُهُمْ، يَعْنِي: مِمَّا خَلَقَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ، يُقَالُ مِنْهُ: ذَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَذْرَؤُهُمْ ذَرْأً وَذَرْوًا: إِذَا خَلَقَهُمْ. نَصِيبًا: يَعْنِي قِسْمًا وَجُزْءًا …….. عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ}الْآيَةَ، قَالَ: ” كَانُوا إِذَا أَدْخَلُوا الطَّعَامَ فَجَعَلُوهُ حُزَمًا جَعَلُوا مِنْهَا لِلَّهِ سَهْمًا، وَسَهْمًا لِآلِهَتِهِمْ، وَكَانَ إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ نَحْوِ الَّذِي جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ إِلَى الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ رَدُّوهُ إِلَى الَّذِي جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ، وَإِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ نَحْوِ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ إِلَى الَّذِي جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ أَقَرُّوهُ وَلَمْ يَرُدُّوهُ».[54] فعبدة الأصنام کانوا قائلین بمنزلة کمنزلة الله سبحانه بل أعلی منزلة منه لأصنامهم وواضحٌ أنّه مع وجود هذه الاعتقادات لایمکن جعلهم موحدین في جانب التوحید الربوبي.

و …………..

4.2.2. الشواهد التأریخیة

الف) نقل الحاکم وأحمد وغیرهم: «أنّ ضمام لمّا شهد الشهادتین ورجع إلی قومه أَطْلَقَ عِقَالَهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَكَانَ أَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ وَهُوَ يَسُبُّ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، فَقَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ، اتَّقِ الْبَرَصَ، وَالْجُذَامَ، وَالْجُنُونَ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ إِنَّهُمَا وَاللَّهِ لَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ».[55]

ب) کتب الحاکم في المستدرک نقلاً عن معاویة بن قرّة: «قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْقَادِسِيَّةِ بُعِثَ بِالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ إِلَى صَاحِبِ فَارِسَ، فَقَالَ: «بَعَثُوا مَعِي عَشْرَةً فَبُعِثُوا فَشَدَّ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، ثُمَّ أَخَذَ حَجَفَةً، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَوْهُ» ، فَقَالَ: «أَلْقُوا لِي تُرْسًا»، فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَقَالَ الْعِلْجُ: إِنَّكُمْ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي حَمَلَكُمْ عَلَى الْمَجِيءِ إِلَيْنَا أَنْتُمْ قَوْمٌ لَا تَجِدُونَ فِي بِلَادِكُمْ مِنَ الطَّعَامِ مَا تَشْبَعُونَ مِنْهُ، فَخُذُوا نُعْطِيكُمْ مِنَ الطَّعَامِ حَاجَتِكُمْ، فَإِنَّا قَوْمٌ مَجُوسٌ، وَإِنَّا نَكْرَهُ قَتْلَكُمْ إِنَّكُمْ تُنَجِّسُونَ عَلَيْنَا أَرْضَنَا، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: «وَاللَّهِ مَا ذَاكَ جَاءَ بِنَا، وَلَكِنَّا كُنَّا قَوْمًا نَعْبُدُ الْحِجَارَةَ وَالْأَوْثَانَ، فَإِذَا رَأَيْنَا حَجَرًا أَحْسَنَ مِنْ حَجَرٍ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا غَيْرَهُ، وَلَا نَعْرِفُ رَبًّا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِنَا، فَدَعَانَا إِلَى الْإِسْلَامِ فَاتَّبَعْنَاهُ، وَلَمْ نَجِئْ لِلطَّعَامِ إِنَّا أُمِرْنَا بِقِتَالِ عَدُوِّنَا مِمَّنْ تَرَكَ الْإِسْلَامَ، وَلَمْ نَجِئْ لِلطَّعَامِ وَلَكِنَّا جِئْنَا لِنَقْتُلَ مُقَاتِلَتَكُمْ …………..».[56]

ج) جاء في السیرة النبویة حول راشد بن عبد ربّه السلمی الذي کان من صحابة رسول الله: «وقد كان راشد بن عبد ربه السلمى يعبد صنما، فرآه يوما وثعلبان يبولان عليه فقال: أرب يبول الثعلبان برأسه * لقد ذل من بالت عليه الثعالب! ثم شد عليه فكسره، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما اسمك ؟ قال: غاوي بن عبدالعزى. فقال: بل أنت راشد بن عبد ربه».[57]

[1] ابن باز، عبدالعزیز بن عبدالله، بیان التوحید الذي بعث الله به الرسل جیمعاً و بعث به خاتمهم محمد علیه السلام، رئاسة إدارة البحوث العلمیة و الإفتاء و الدعوة و الإرشاد إدارة الطبع و الترجمة، الطبعة الأولی، 1417ق _ 1996م، ص 91.

[2] عجیبة، أحمد علي، دراسات في الأدیان الوثنیة القدیمیة، القاهرة: دارالآفاق العربیة، الطبعة الأولی، ص 89.

[3] السابق، ص 95.

[4] السابق، ص 129.

[5] السابق.

[6] السابق.

[7] الشلبي، أحمد، أدیان الهند الکبری، مصر: مکتبة النهضة، الطبعة الحادية عشر، ص 45.

[8] عجیبة، أحمد علي، دراسات فی الأدیان الوثنیة القدیمیة، ص 138.

[9] السابق.

[10] السابق، ص 178.

[11] السابق.

[12] السابق.

[13] السابق.

[14] السابق.

[15] السابق.

[16] السابق.

[17] السابق.

[18] السابق، ص 181.

[19] للمزيد من المطالعة راجع: الدغیم، مسیح، أدیان و معتقدات العرب قبل الإسلام، بیروت: دارالفکر، الطبعة الأولي، ص 74 _ 65.

[20] التوبة: 30.

[21] البغوي، أبو محمد حسین بن مسعود، معالم التنزیل فی تفسیر القرآن، دار طیبة للنشر و التوزیع، الطبعة الرابعة، ج 5، ص 313.

[22] للمزيد من المطالعة راجع: النابلسي، عثمان مصطفی، الرویة الوهابیة للتوحید و أقسامه، عمان: دارالنور المبین، الطبعة​ الأولی، 2017م، ص 59.

[23] ابن الجوزي، جمال الدین أبوالفرج، زاد المسیر في علم التفسیر، تحقیق: عبد الرزاق المهدي، بیروت: دار الکتاب العربي، الطبعة​ الأولی، 1422ق، ج 3، ص 130.

[24] الطبري، محمد بن جریر، جامع البیان عن تاویل آی القرآن، تحقیق: دکتر عبدالله بن عبدالمحسن الترکي، دار هجر للطباعة و النشر و التوزیع و الإعلان، الطبعة​ الأولی، 1422ق _ 2001م، ج 7، ص 706.

[25] المائدة: 64.

[26] آل عمران: 181.

[27] للمزيد من المطالعة راجع: النابلسي، عثمان مصطفی، الرویة الوهابیة للتوحید و أقسامه، ص 60.

[28] المائدة: 75.

[29] الطبري، محمد بن جریر، جامع البیان عن تأویل القرآن، ج 8، ص 583.

[30] النابلسي، عثمان مصطفی، الرویة الوهابیة للتوحید، ص 66.

[31] الشهرستاني، محمد بن عبدالکریم، الملل و النحل، موسسة الحلبي، ج 2، ص 37.

[32] للمزيد من المطالعة راجع: الحوت، محمود سلیم، فی طریق المیثولوجیا عند العرب، ص 58.

[33] للمزيد من المطالعة راجع: الدغیم، مسیح، أدیان و معتقدات العرب قبل الإسلام، بیروت: دارالفکر، الطبعة الأولی، ص 146_137.

[34] السابق.

[35] ابن کثیر الدمشقي، إسماعیل بن عمر، تفسیر القرآن العظیم، تحقیق: محمود حسن، بیروت: دارالکفر، 1414ق _ 1994م، ج 4، ص 312.

[36] الماوردي، علی بن محمد، النکت و العیون، تحقیق: ابن عبدالمقصود بن عبدالرحیم، بیروت: دارالکتب العلمیة، ج5، ص 405.

[37] مریم: 81.

[38] الجاثیة: 10.

[39] یس: 74.

[40] نوح: 25.

[41] النازعات: 5 _ 1.

[42] آل عمران: 49.

[43] المائدة: 36.

[44] الطبري، محمد بن جریر، جامع البیان عن تأویل آی القرآن، ج 8، ص 405.

[45] آل عمران: 26.

[46] الطبري، محمد بن جریر، جامع البیان عن تأویل آی القرآن، ج 5، ص 403.

[47] الإخلاص: 4 _ 1.

[48] الحاكم النيسابوري، محمد، المستدرک علی الصحیحین، تحقیق: مصطفی عبدالقادر العطا، بیروت: دارالکتب العلمیة، الطبعة الأولی، 1411ق، ج 2، ص 589؛ الترمذي، محمد، سنن الترمذي، تحقیق: بشار عواد معروف، بیروت: دارالغرب الإسلامي، 1998م، ج 5، ص 308.

[49] النساء: 117.

[50] الطبري، محمد بن جریر، جامع البیان عن تأویل آی القرآن، ج 7، ص 490.

[51] الزمر: 36.

[52] القرطبي، محمّد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، القاهرة: دار الكتب المصرية، الطبعة الثانية، 1384ق، ج 15، ص 258.

[53] الأنعام: 136.

[54] الطبري، محمد بن جریر، جامع البیان عن تأویل آی القرآن، ج 9، ص 569.

[55] ابن حنبل الشیباني، أحمد، مسند، تحقیق: شعیب الأرنووط و عادل مرشد و الآخرون، موسسة الرسالة، الطبعة الأولی، 1421ق، ج 4، ص 211؛ الحاكم النيسابوري، محمد، المستدرک علی الصحیحین، ج 3، ص 55.

[56] الحاکم النیسابوري، محمد، المستدرک علی الصحیحین، ج 3، ص 510.

[57] ابن کثیر الدمشقي، إسماعیل بن عمر، السیرة النبویة، تحقیق: مصطفی عبدالواحد، بیروت: دار المعرفة للطباعة و النشر و التوزیع، 1395ق، ج 4، ص 177.

alwahabiyah.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

code